الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

26

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

التمليك ، ولكن بما له من الأثر ، وإن شئت قلت : هو التمليك الإنشائي كما أشير إلى سابقا ، فليس البيع نفس الإنشاء بماله من المعنى المصدري ( ولا العقد كذلك ) بل لا العقد بما له من معنى اسم المصدر ، بل بإيجاد الملكية بسبب العقد والإنشاء وإن شئت قلت : هو التسبب بالإنشاء إلى المنشأ . وبعبارة أخرى : قد يقسم البيع إلى : البيع السببي والمسببي ، والأول هو الإنشاء ، والثاني هو الأثر الحاصل منه ، وحقيقة البيع ليس هذا ولا ذاك ، بل هو التسبب بالانشاء نحو المسبب . ولعل من قال أنّه العقد نظر إلى ذلك ، كما أنّ من قال أنّه النقل ناظر إليه ، وأمّا القائل بأنّه الانتقال ، فإن كان مراده النقل ، فهو كذلك ، وإن كان بمعنى الأثر الحاصل بعد النقل ، أو ما هو معنى المطاوعة ، فلا شك أنّه أجنبي منه . وبالجملة لا أظن وجود خلاف كثير بينهم وإن اختلفت التعبيرات . وأمّا قيوده ، فالظاهر عدم اعتبار أزيد من المالية في العوضين ، فيقال : « هو تمليك مال بعوض » . لما عرفت من عدم لزوم كون المثمن ولا الثمن من الأعيان ، بل يجوز كونهما من الحقوق ، وكون الثمن من المنافع ، نعم إذا كان البيع منفعة كان من الإجارة لا من البيع . وبقي الكلام في ما أورد عليه من الإشكالات الخمس التي ذكرها شيخنا الأنصاري قدّس سرّه وأجاب عنها : أولها : إنّ لازمه جواز إنشاء البيع بلفظ ، ملكت ، وأجيب عنه : بأنا نلتزمه ولا مانع منه . ثانيها : أنّه لا يشمل بيع الدين على من هو عليه ، لأنّ الإنسان لا يملك على نفسه شيئا . وأجيب : بجواز ذلك آنا ما ، وأثره سقوط الدين . ثالثها : شموله للمعاطاة مع أنّه ليس ببيع عندهم ، ولكن سيأتي إن شاء اللّه أنّ الأصل في البيع - على خلاف ما هو المعروف في الأذهان - هو المعاطاة ، وإنّما نشأ البيع بالصيغة بعدها ، فإن الناس في أول أمرهم كانوا يبادلون أموالهم من خلال المعاطاة ولم يكن هناك إنشاء لفظي ، ثمّ لمّا نشأت القوانين الإلهية والعرفية بينهم ، جعلوا له صياغة قانونية إنشائية